مقتبسات من كتاب بعنوان:

أبو الشهداء:عبد القادر محمد صالح كبيرى

رائد من رواد الوطنية ونبذه عن معالم حياته واثاره الخالدة

بقلم الأستاذ: عبد القادر حقوس محمد الجبرتى

 

(ص. 66) ماذا حدث قبل اغتياله

وللحقيقة نذكر أن العداء كان مستحكماً ويزداد يوماً بعد يوم بين الحزبين الكبيرين حزب الانضمام إلى أثيوبيا وحزب الرابطة الإسلامية الداعي للاستقلال. ومن هنا يتضح جلياً أن هدف حزب الانضمام ومن يقف ضده ولو كان له الحق في التعبير عن رأيه إلا أن كان هذا الحزب لا يؤمن بالديموقراطية إلا لنفسه أما غيره فله أن يختار أحد الطريقتين :

(1)                    إما أن يكون موافقاً لرأيه واتجاهاته .

(2)                    وإما أن يكون محايداً .

(3)                    وإما الويل لمن يعارضه أو يقف ضده.

هكذا كان أسلوبه لا يؤمن بحق الغير, ولقد حدث لأبي الشهداء بالذات عدة محاولات لإقناعه وعدوله عن أفكاره وآرائه تارة بإرسال الخطابات وأخرى بالتهديد والوعيد ولم تفلح محاولاتهم بل بالعكس إزداد صلابة من أجل الدفاع عن آرائه وما يؤمن به فماذا عملوا قبل اغتياله :

(1)                    هددوه شفهيا عدة مرات .

(2)                    ثم حذروه عن طريق الرسائل .

(3)                    أحرقوا مزارعه في بلدة ( عايلت ) .

(4)                    استولوا على المواشي التي يمتلكها وعددها أكثر من 40 بقرة في بلدة ( مرارة )

 

(ص. 68) والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه هو كما يلي :

هل استسلم الشعب الإريتري لتلك التهديدات والعمل الإرهابي والقتل للأبرياء وسلب ونهب للأموال والممتلكات ..؟

لقد وقف الشعب رغم تلك الإجراءات الإجرامية موقفاً حازماً مع حقه مهما كلفه من تضحيات جسام من أجل نيل

الحرية والاستقلال .

سؤال آخر : من كان وراء هذه العمليات الإرهابية ؟

الجواب : كان وراء هذه العمليات الإرهابية كل من حكومة أثيوبيا وعملائها وفي مقدمتهم مندوب الملك هيلي سلاسى ممثلاً في القنصل العام والذي يدعى ( نكا ) هذا المندوب كان له دور خطير في تلك العمليات كوّن مجموعتين من العصابات الأولى للاغتيالات والثانية للسلب والنهب وتخويف الناس وترويع أمنهم كل ذلك من أجل إرغام الناس للدخول وتأييد الانضمام مع أثيوبيا .

 

(ص.69 –71) كيف تم اغتياله وكيف مرت اللحظات الأخيرة من حياته

نقلاً عن الجريدة الأسبوعية التي كانت تصدر في مدينة أسمرا بتاريخ 1/4/1949م الموافق 3 من جمادى الثانية 1368هـ العدد 183 ــ السنة الرابعة كتبت ما يلي في صفحاتها :

" اغتيال رئيس فرع الرابطة الإسلامية بأسمرا "

" في تمام الساعة التاسعة من مساء يوم الأحد الماضي أطلق شخص مأجور النار من مسدس كان في يده على السيد عبد القادر محمد صالح كبيري ــ رئيس فرع الرابطة الإسلامية بأسمرا ـ بينما كان سائراً في طريقة بشارع

( كاليري ) . وقد كانت الإصابة بالغلة الخطورة إذ نفذت الطلقة من الخلف في الجانب الأيمن وفي نفس الوقت فر الجاني هارباً وحمل المصاب في الحال إلى مستشفى ( جينا التا ) وأجريت له عملية جراحية عاجلة بواسطة البروفيسور

( سورجى ) والدكتور ( لازرى ) .

وقد جاء في التقرير الطبي أن الإصابة بالغلة الخطورة لأن الرصاصة كانت قد تسببت في تلف الطحال وأوجدت ثقوباً في المعدة والكبد ، وجاء في التقرير أيضاً أن المصاب فقد كمية كبيرة من دمه ولذلك استدعى في الحال أن تجرى له عملية نقل دم بسرعة ، وقد تطوع ثلاثة أشخاص بدمهم وتمت عملية نقل الدم وتحسنت حالة المصاب فيما بعد نوعاً ما ولكن ساءت حالته يوم الثلاثاء وكان الأمل ضعيفاً وما أن حلت الساعة التاسعة مساء حتى وافته المنية وأسلم الروح إلى ربه تعالى نسأل الله تعالى له الرحمة والغفران .

وكتبت نفس الجريدة في صفحة أخرى تحت عنوان

" نبذة عن تاريخ حياته "

ولد المغفور ه السيد/ عبد القادر محمد صالح كبيري ، في جزيرة
( دسينت ) بمقاطعة ( مصوع ودنكالية ) عام 1902م وينتمي لعائلة السادة المولدين بين الجبرته في الحبشة .

نشأته :

نشأ الفقيد وترعرع في مدينة ( مصوع ) وشب على الذكاء والنبوغ وكون نفسه بنفسه .

بداية عمله :

بدأ موظفاً في عهد الحكومة الإيطالية وأرسل في مهمة رسمية إلى بلاد اليمن ومكث عدة سنوات ، ثم هجر الأعمال الحكومية إلى ميدان العمل الحر وانخرط في سلك الأعمال التجارية .وفي آخر أيامه أوقف نفسه ونشاطه لخدمة بلاده الوطنية في جميع النواحي .

نشاطه السياسي :

بدأ نشاطه السياسي بالاشتراك في تأسيس جمعية ( حب الوطن ) المعروف باسم ( محبر فقرى هغر ) وقد شغل منصب نائب الرئيس في الحزب لمدة خمس سنوات امتدت إلى عام 1946م ثم انتقل إلى حزب الرابطة الإسلامية واشترك كمؤسس مهم في إنشائها وقد انتخب رئيساً لفرع أسمرا وحماسين وقد اشتهر في هذا الميدان بنشاطه الجم وتضحياته الجسيمة بنفسه وماله وأوقاته .

وكان مشهوراً بحب الخير ونشر العلم والتعليم بين أبناء وطنه وكان رحمه الله سكرتيراً لجمعية الأوقات الخيرية .

علاقاته العامة مع الناس جميعاً :

عرف الفقيد بالتواضع الجم والقلب السليم والنفس المرحة والقوية مما جعله محبوباً لدى كل من عرفه أو اجتمع به من شتى الجنسيات والألوان من مواطنين وأجانب وغيرهم .

وقد كان لخبر وفاته آسى وحزن عظيمين بين جميع الطبقات داخل القطر وخارجه .

(ص.72 ) لماذا اغتيل عبد القادر كبيري

أعود لما بدأته .. لماذا اغتيل عبد القادر كبيري ؟

بداية لابد أن نعرف السبب قبل الوصول إلى النتائج فقد أعلنت الرابطة الإسلامية عدولها عن الوصاية الدولية لمدة عشر سنوات تحت إشراف الإدارة البريطانية وتشكل حزب جديد اسمه ( الكتلة الاستقلالية ) يضم هذه الأحزاب الثلاثة :

(1)                    الرابطة الإسلامية .

(2)                    حزب الأحرار التقدمي .

(3)                    حزب المحاربين القدماء وغيره من الأحزاب التي كانت تعارض الانضمام مع أثيوبيا .

ولذلك جن جنون الإنجليز ومعهم حزب الانضمام لغايات في أنفسهم وأغراضهم المعروفة ، وكان أبو الشهداء دائما ينادي بالاستقلال التام والناجز ومن رأيه كذلك أن غاية الحياة السياسية أن تحقق للشعب حياة سعيدة تحت ظل الحرية ، وقد أثبتت الأيام ما كان يؤمن به ويدعو إليه بإلحاح ومن رأيه

" قد يكون شعبنا فيه نسبة الأمية عالية وقد يكون اقتصاده يحتاج إلى من ينميه ورغم ذلك أن يسير الشعب متخطياً متعثراً بطيئاً في الطريق المؤدي إلى الاستقلال خير من أن يسير بسرعة في طريق لا يؤدي إلى الحرية والاستقلال ودائما كان يتحدث في المناسبات ولا يردد " لا نرضى عن الاستقلال بديلاً " لهذه الأسباب وغيرها أقدم شخص مأجور وفي يده مسدس وأطلق النار في الطريق العام على السيد/ عبد القادر كبيري .. فقد أصابه في الطحال ثم تعدى إلى الكبد وحاولوا إسعافه ولكن لا راده لقضاء الله ولا معقب لحكمه جعلت الشهادة روح الجهاد والتضحية بالنفس طريق المجد . والفداء عباده المثل العليا لقد استشهد في سبيل الحرية والاستقلال لتحيا أمة ولأن الوطن والحرية يحميهما الدماء . لقد فاضت روحه الطاهرة فداء للواجب المقدس .

 

 

(ص. 97) تشييع الجنازة في موكب حزين

 

في فجر يوم الأربعاء تدفقت الجماهير صوب دار الفقيد وفي الساحة العامة وراء السجن العمومي . ويا له من لقاء ومن هول الفاجعة التي تناقلت بين الناس إثر انتشار الخبر بوفاته وكل الناس بين مكذب ومصدق حتى إذا تأكد لهم الخبر بإعلان عن موعد تشييع الجنازة وقد عم الجماهير الغفيرة بالآسي والحزن وانتشروا في الساحة مترحمين على الفقيد واجمين من هول الخطب الجسيم في انتظار بدء سير الجنازة وما ان حلت الساعة الثانية عشر حتى اكتمل جميع المشيعين من العاصمة ووفود المراكز الخارجية وبدأ سير الجنازة في موكب حاشد عظيم لم تشهد البلاد مثله من قبل حتى انه يقدر عدد المشيعين بنحو العشرة آلاف شخص وقد مر الموكب مخترقاً شارع ( تفرى مارا ) أمام مركز البوليس وصوب شارع ( كاليري ) ومنه إلى شارع ( بيومونتى ) مارا أمام الجامع العام ثم انعطف الموكب بعد ذلك إلى شارع العام ( بكورس درى ) إلى آخر الطريق المؤدي إلى المقابر .

وقد لف جثمان الفقيد بعلم الرابطة الإسلامية وكان يتقدم الموكب طلبة المدارس فشباب الجمعيات الإسلامية المختلفة وجثمان الفقيد يحف به من الجانب الأيمن والأيسر فرسان البوليس ومن بعده اصطفت جماهير المشيعين من مختلف الطبقات والهيئات والجاليات يتقدمهم سماحة مفتي الديار الإيرترية وقاضي أسمرا والحماسين وجمعا من العلماء والمشايخ والأعيان ومندوب مكتب الأخبار ومحافظ أسمرا وحكمندار البوليس وغيرهم من رجالات الإدارة والهيئات المختلفة وعندما وصل الجثمان إلى المقابر اجتمعت الجماهير واصطفت للصلاة عليه وقد أم الجميع سماحة المفتي .

وبعد الصلاة تقدم الأديب ياسين محمود باطوق وابن الفقيد بكلمة حزينة أثرت في نفوس الجماهير تأثيراً عظيماً وعدد مناقب الفقيد وترحم عليه .

وقد اشترك بعض الحاضرين من المواطنين بكلمات قصيرة في تأبين الفقيد وبعد ذلك وري جثمان الفقيد في مقره الأخير بين دموع الحزن والآسى وتلاوة القرآن الكريم .

وانصرف الجميع بعد ذلك وهم لا يزالون في حيره من هول المصاب .. وقد كان استشهاد عبد القادر كبيري خسارة عظمى أصاب المواطنين عامة والمسلمين خاصة وخطب جسيم حل بهم .وقد كان الحداد عليه شعبياً عاماً من كل الطبقات وأهل الحرف واصبحت المتاجر والحوانيت مغلقة بسبب الحداد العام .

(ص. 81) رثاء لأبي الشهداء عبد القادر كبيري

تحت عنوان " يا خير راحل "

على أي حال لا يفيد التجــــــلد

 

وفي القلب نار جمرها يتوقـــــد

وفي القلب من ذكراه حزن وفجعــة

 

تمر الليالي والحوى يتجــــــدد

وفي العين مدرار من الدمع زاحــف

 

يناجيه منهل الحيا فيـــــــردد

لئن غاب عنا ثاويا رهن غيلــــه

 

فمثواه في كل القلوب ممــــــدد

كبير الأماني بين جنبيه عزمــــة

 

يخوض عباب الهم ولا يتقيـــــد

رسمت لفتيان البلاد طرائقـــــاً

 

بها هام فوق النجم يسمو ويخلـــد

وعزم سرى في كل نفس ومبــدء

 

لنا منه نبراس مضيئ ومرشــــد

إغتالتك أيدي السوء في الدرب حينما

 

زأرت زئير الأسد في كل مرقــــد

صبور على الإيذاء لا تستفــــزه

 

وفي كل خيرات البلاد له يـــــد

له في قلوب الناس أرقى منـــازل

 

تبوءها ذات العريق المســـــود

وخط بأركان المعالي همومـــــه

 

ففاز بها والله يرعى ويشهـــــد

وكان رئيس الفرع يرعى زمامـــه

 

ويمنع عنه الشرحين يهــــــدد

وهم ولم يخضع لبطش قـــــوة

 

به يبتغي نفع البلاد وينشــــــد

نعم هكذا الإخلاص يا خير راحـــل

 

يؤسس صرح المجد لنا ويعهــــد

فنم هادئاً لما بالذي غرستـــــه

 

لنام على الأيام يجني ويحصــــد

ونم بين أحضان الملاك هانئــــاً

 

يهنئك الفردوس عيسى وأحمـــد

عليك سلام الله يا خير راحــــل

 

من القلب والأعماق ما لا يعـــدد

بقلم الاستاذ: عبد القادر حقوس محمد